الشيخ الصدوق
4
كمال الدين وتمام النعمة
ثم مضى صلوات الله عليه ، فانتبهت فزعا إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى إلى وقت طلوع الفجر ، فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلا لأمر ولي الله وحجته ، مستعينا بالله ومتوكلا عليه ومستغفرا من التقصير ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . الخليفة قبل الخليقة : ( 1 ) اما بعد فان الله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة - الآية " ( 2 ) فبدأ عز وجل بالخليفة قبل الخليقة ، فدل ذلك على أن الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليقة ، فلذلك ابتدأ به لأنه سبحانه حكيم ، والحكيم من يبدء بالأهم دون الأعم ، وذلك تصديق قول الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام حيث يقول : " الحجة قبل الخلق ، ومع الخلق ، وبعد الخلق " ولو خلق الله عز وجل الخليقة خلوا من الخليفة لكان قد عرضهم للتلف ، ولم يردع السفيه عن سفهه بالنوع الذي توجب حكمته من إقامة الحدود وتقويم المفسد . واللحظة الواحدة لا تسوغ الحكمة ضرب صفح عنها ( 3 ) ، إن الحكمة تعم كما أن الطاعة تعم ، ومن زعم أن الدنيا تخلو ساعة من إمام لزمه أن يصحح مذهب البراهمة في إبطالهم الرسالة ، ولولا أن القرآن نزل بأن محمدا صلى الله عليه وآله خاتم الأنبياء لوجب كون رسول في كل وقت ، فلما صح ذلك لارتفع معنى كون الرسول بعده وبقيت الصورة المستدعية للخليفة في العقل ، وذلك أن الله تقدس ذكره لا يدعو إلى سبب إلا بعد أن يصور في العقول حقائقه ، وإذا لم يصور ذلك لم تتسق الدعوة ولم تثبت الحجة ، وذلك أن الأشياء تألف أشكالها ، وتنبو عن أضدادها . فلو كان في العقل إنكار الرسل لما بعث الله عز وجل نبيا قط . مثال ذلك الطبيب يعالج المريض بما يوافق طباعه ، ولو عالجه بدواء يخالف طباعه أدى ذلك إلى تلفه ، فثبت أن الله أحكم الحاكمين لا يدعو إلى سبب إلا وله في
--> ( 1 ) العنوان هنا وما يأتي في المقدمة منا أضفناها تسهيلا للباحثين . ( 2 ) البقرة : 30 . ( 3 ) يعنى عن إقامة الحدود .